ترجمة الحافظ ابن حجر لسيدي أحمد البدوي

قال الحافظ الشيخ شهاب الدين بن حجر العسقلاني بعد أن سئل عن ترجمة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، فأجاب:هو أبو الفتيان أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي الأصل، الملثم، ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، (وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة) ، وحج أبوه في سنة سبع وستمائة، وهو معه وأخوه حسن وأمهما وهي كلثوم فاطمة بنت محمد بن أحمد، وأقاموا بمكة المشرفة، فمات بها أبوه في سنة سبع وعشرين وستمائة، (ودفن بباب المعلى وقبره الآن ظاهر يزار ) . وعُرف أحمد بالبدوي لملازمته اللثام، ولبس لثامين لا يفارقهما أبداً، وعرض عليه التزويج، فامتنع لإقباله على العبادة، وكان قد حفظ القرآن كله ، وقرأ شيئًا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، واشتهر بالعطاب (لكثرة ما كان يقع لمن يؤذيه من الناس) ، ثم إنه لازم الصمت حتى كان لا يتكلم إلا بالإشارة، واعتزل الناس جملة واحدة ، وظهر له الولَه، فلما كان في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ذكر أنه رأى في النوم من يبشره بأنه سيكون له (شأن عظيم) وحال حسن بمصر، ثم إن أخاه حسن بن علي دخل إلى العراق، وهو صحبته ، ولازم سيدي أحمد الصيام، (وأدمن عليه) حتى كان (لا يفطر إلا كل أربعين يوماً، فكان) يطوي أربعين يومًا لا (يتناول فيها طعاماً، ولا شراباً، ولا ينام) .

وهو في أكثر أحواله شاخص البصر إلى السماء، وعيناه كالجمرتين، ثم رحل إلى مصر في سنة أربع وثلاثين وستمائة (فوصل إلى) طندتا من الغربية في أسفل مصر، فأقام بها على سطح دار لا يفارقها لا ليلًا ولا نهارًا.

وكان إذا عرض له الحال يصيح صياحًا عظيمًا متصلًا. وكان يكثر من الصياح (في أغلب أوقاته) . كان رضي الله عنه طويلًا، غليظ الساقين، عَبْل – ضخم – الذراعين، كبير الوجه، ولونه بين البياض والسمرة، وتواتر عنه كرامات كثيرة وخوارق شهيرة عظيمها وأشهرها قصة المرأة التي أسر الفرنج ولدها، فلاذت به، فأحضره إليها في قيوده، ومر به رجل يحمل قِربة لبن، فأومأ إليه بأصبعه (إلى القربة) ، فأنقدت وانسكب اللبن (على الأرض) ، فخرج معه حية عظيمة ميتة قد انتفخت.

ويؤثر عنه شعر، لكنه مع كونه موزوناً غير معرب. ولازم جماعة من أهل تلك البلاد خدمته، وبنوا على قبره لما مات مقامًا، واشتهرت كراماته فكثرت النذور التي تحمل إليه (من البلاد وعظم أمره وأثنوا عليه وميزوه عن أشيخ عصره) ، (ولما مات في ثاني عشرين شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة، عظم قبره وبنوا عليه وميزوه) . وقام بأمر أتباعه صاحبه (الشيخ الصالح) عبد العال، فسموه خليفة الشيخ أحمد، وعمَّر بعده طويلًا حتى مات في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، واشتهر أتباعه بالسطوحية .
(وحدث لهم بعد مدة عمل المولد الشريف النبوي عنده وصار يومًا مشهودًا يقصده الناس من النواحي البعيدة، وشهرة هذا المولد في عصرنا تغني عن وصفه، وقد قام جماعة) من العلماء، ومن يتدين من الأمراء في إبطاله فلم يتهيأ لهم ذلك إلا في سنة إحدى وخمسين وثمانمائة .

انتهى (ما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله في جوابه) .


فقلت : هذا لما هبت عليه نفحات الأنس من جناب حضرة القدس، فاصطلم وغاب، وسمع، وطاب، وصار بحضرة الحق مجذوباً، وعما سواه مسلوباً، فهو مقرب مجذوب، مُذْهب مسلوب، فهو المجذوب السالك، والمملوك المالك، ما علمت له سلسة متصلة، ولا قدم عن القوم (…. )، وهكذا كان سيدي أبو السعود قطب الوجود، وسيدي يحيى الصافري ، وسيدي علي الرومي، وسيدي علي الزيني، وسيدي القطب الغوث شرف الدين أبو الأنس يونس القنييي الشيباني ، وجماعة من المحققين العارفين والمتقين السالكين، قدس الله تعالى أسرارهم، وأظهر برهانهم، ولم أقف بل ولا غيري فيما أعلم إلى الآن مع كثرة التتبع والبحث على أنه أعقب، بل ومقتضى ما ذكره فيما تقدم أولاً من كلام مولانا شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني الشافعي، رحمه الله تعالى، أنه لم يتزوج أصلاً، والعلم عند الله، وهو أعلم بالصواب، ومنه المبدأ وإليه المآب، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هكذا رأيت الترجمة المذكورة بهذا السياق، ولعل المسئول عن الترجمة الشيخ إبراهيم الناجي ، فنقل كلام ابن حجر وجوابه فيها، ثم عقبه الناجي بهذا الكلام. والله أعلم.